فصل: الباب الرابع الساحة الكويتية والتطرف والعنف

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فصول من السياسة الشرعية في الدعوة إلى الله **


 الباب الرابع الساحة الكويتية والتطرف والعنف

الساحة الكويتية مثال رائع لمن يريد أن يعرف المدى الذي يمكن أن تصنعه الدعوة إلى الله وفق السياسة الشرعية، فعلى مدى عشر سنوات فقط من بدء الدعوة الفعلية في الساحة الكويتية، كان معظم الشباب قد توجه إلى المساجد، وكانت الفتيات اللاتي احتفلن بحرق العباءة وغطاء الوجه في عام 1957م، وذلك بجمع هذه العباءات في ساحة مدرسة ثانوية وحرقها وسط مهرجان يمثل قطع الصلة بالماضي، والانطلاق إلى عصر جديد بعيد عن التقيد بأخلاق الإسلام وعاداته‏.‏‏.‏ هؤلاء الفتيات عُدن من جديد للباس الإسلام وأخلاقه، وبدأ ذلك بفتيات الجامعة‏.‏‏.‏ اللاتي كن قد خرجن يوماً ما في مظاهرة يطالبن برفض التعليم الذي يستقل فيه الفتيان والفتيات بكلياتهم، ويطالبن بتعليم مختلط‏.‏‏.‏ لقد كانت الدعوة الإسلامية التي تتبع السياسة الشرعية هي العامل الأول في هذا التحول المفاجئ، والفضل لله وحده سبحانه وتعالى‏.‏‏.‏ ولم تكن القرارات الفوقية ولا القوانين التعسفية هي السبب في هذا الانقلاب الفكري، والتحول الثوري في العقليات والمفاهيم، علماً بأن هذا جميعه يحدث في بلد الدخل الفردي فيه هو أعلى دخل في العالم، ويمتلك فيه الأبناء والبنات أعظم حرية أسرية ليست موجودة في أي مكان في الدول العربية، وفي بلد متفتح على العالم أجمع، يسافر أبناؤه وبناته وشيبه وشبانه إلى كل دول العالم تقريبا، ويكاد ينزح عنه جميع أهله في فترع الصيف، حيث يجولون العالم شرقاً وغرباً، وهو سوق لكل أنواع المنتجات في العالم أجمع، وبالتالي هو سوق لكل الأفكار والعقائد والسياسات، ومع ذلك تنجح فيه الدعوة الإسلامية هذا النجاح الذي يكاد أن يكون منقطع النظير والشبيه، وكل ذلك في إطار دعوة سلمية علمية تعليمية دون أدنى إكراه أو ابتزاز‏.‏

لاشك أن هذا يرشدنا إلى أنه لو خُليَ بين الناس وبين الاختيار، وأعطينا الحرية للعقائد والأفكار، فإن دعوة الإسلام لا تقوم لها دعوة، ولا تنافسها عقيدة‏.‏‏.‏

ومن أجل ذلك كان حرصنا أن تبقى هذه الساحة الكويتية مكاناً آمنا لينمو الإسلام فيها النمو الطبيعي، وتتشربه نفوس أبنائه، ويتمثلونه بفطرتهم السليمة‏.‏

ولكننا كنا نصطدم بين الحين والآخر بما يعكر صفو هذا الهدوء، وبمن يريد أن يعتسف الأمور، ويقطع الطريق على ركب الدعوة الإسلامية السليمة‏.‏

فبعد قيام الثورة الإيرانية واستلامها الحكم في إيران، ظن بعض الذين لا يقرأون خلفيات الأحداث، ولا يطالعون عبر التاريخ، ظنوا أن الثورة الإيرانية إسلامية التوجه، وأنها الحليف الطبيعي لهم ضد الأنظمة التي لا تحكم بالإسلام، وأن الوقت قد حان لتفجير العالم الإسلامي من داخله لإقامة الخلافة الإسلامية‏.‏‏.‏ كان هذا ظن بعض الناس في الأرض الإسلامية العربية، وقامت من أجل ذلك حركات وانتفاضات في كل بلد عربي تقريبا، وخاصة في مصر والسعودية وتونس وسوريا‏.‏

وابتدأت عناصر إيرانية من الذين هيأتهم إيران لما يسمونه بتصدير الثورة تتصل بالعناصر العربية المستعدة والمهيأة لهذا التفجير، وابتدأت ليبيا وسوريا وإيران تشكل حلفا واحدا لتفجير العالم الإسلامي، وسارع مستشرقون وعملاء لروسيا وأمريكا وإسرائيل يعقدون ندوات ويدعون لها شخصيات إسلامية مرموقة لمناقشة مستقبل الإسلام‏.‏‏.‏ المهم أنه عقد ما بين سنة 1980 و1982 عدة مؤتمرات سرية وعلنية كلها تستهدف كيفية تفجير الثورة الإسلامية العالمية، وللأسف أن الذي تزعم ذلك هو الحكم في سوريا وليبيا وإيران‏.‏ وكان الهدف معلوما بالطبع لذوي البصائر، وهو أن المقصود هو الحيلولة دون نمو نشاط إسلامي حقيقي في البلاد العربية، وقطع الطريق على قيام حكم إسلامي سني، لتكون القيادة الإسلامية في العالم بيد المد الشيعي والباطني الذي يمثله سوريا وليبيا وإيران‏.‏

ففي شهر ديسمبر سنة 1981 نشرت مجلة ‏(‏الأوبزيرفر البريطانية‏)‏ مقالا جاء فيه‏:‏

‏"‏طار إلى لندن في نهاية الأسبوع الماضي ممثلو حركات إسلامية معارضة في عدة بلدان لعقد مؤتمر سري مدته ثلاثة أيام، يعتقد بأنه أول مؤتمر من نوعه يعقد على هذا المستوى‏.‏

ويشير المؤتمر إلى تطور في الانبعاث الذي يجتاح العالم الإسلامي، وذهب الممثلون إلى لندن لإعطاء إطار عمل تنظيمي واستراتيجية مشتركة إلى الحركة الكبيرة الواسعة النطاق للنشاط الإسلامي‏.‏

ورغم الجهود التي بذلت لإبقاء المؤتمر سريا، فإن من المعروف أنه ضم قادة جماعات وأحزاب معارضة إسلامية من غرب أفريقيا إلى الفلبين، ومن أفغانستان إلى تونس‏.‏ ومن تلك البلدان حيث الحركات السرية الإسلامية أنشط، مثل مصر وسوريا والسودان والعراق، كانت بعض هذه الجماعات قد أقامت فعلا اتصالات فيما بينها، ويعتقد بأن مؤتمرات أصغر قد عقدت في مراكز أوروبية أخرى‏.‏

لكن مؤتمر لندن يوحي بظهور شيء أشبه بدولية إسلامية موجهة ضد الأنظمة الحاكمة في كثير من بلدان آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط، وهذه الجماعات لديها الكثير من الأمور المشتركة، وإن كانت همومها مختلفة، وأعضاوها في كل بلد تقريبا من الشباب خاصة وبصورة غالبة، وهي تتركز في الجوامع والجامعات‏"‏ ا‏.‏هـ ‏(‏الوطن - الأربعاء /1981‏)‏

وقبل هذا المؤتمر بشهرين تقريبا عقدت ندوة في أمريكا لمجموعة من المستشرقين والمهتمين بالدراسات الإسلامية، وكانت تحت عنوان ‏(‏لماذا تتعثر حركات البعث الإسلامي‏)‏، وكانت النتيجة التي خلص لها المؤتمرون والذين كان فيهم عدد كبير من ممثلي الحركات والتنظيمات الإسلامية في العالم أن السبب في تأخر البعث الإسلامي أن الجماعات الإسلامية تهتم بقضايا هامشية كالتربية والتعليم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبذلك تتشتت جهودها، وأن عليها إذا أرادت النجاح أن تحصر هدفها في دائرة واحدة من دوائر الصراع، وهو صراع الحكام فقط والوصول إلى السلطة السياسية، لأنه عن طريق الوصول إلى السلطة السياسية تتعدل كل القوانين والنظم، والعجيب أن هذا المؤتمر الاستشراقي العلني الذي عقد في أمريكا، والمؤتمر السري للتنظيمات الإسلامية السرية الذي عقد في لندن، قد توصلا إلى نتائج واحدة تقريبا، كان من أطرفها أن الاتحاد السوفيتي ليس عدوا للمسلمين، وإنما عدوهم فقط هو أمريكا‏؟‏‏!‏‏.‏‏.‏ أليس هذا من أعجب العجب‏!‏‏!‏ واسمع ما تقوله جريدة الاكسبريس الفرنسية عن مؤتمر لندن السري الذي عقد في منتصف ديسمبر عام 1981‏:‏ تقول‏:‏

‏"‏ومهما يكن من أمر، فإن الأحزاب الإسلامية في العالم بأسره التقت في منتصف ديسمبر الماضي في مؤتمر سري جدا عقد في لندن، وضم ممثلين عن كل الحركات الإسلامية من ثوار الفلبين المسلمين إلى ممثلي الحركة الإسلامية في مصر‏.‏ وقد أرسلت إيران وليبيا ممثلين عنهما إلى المؤتمر الذي ناقش مطولا مسألة العلاقة مع الاتحاد السوفيتي، وحول هذه النقطة يقول الجامعي التونسي عبدالكريم‏:‏ ‏(‏اسمع نحن لا ننظر للعلاقات مع السوفيات من نفس الزاوية التي تنظرون منها، إن عدونا هنا هو الرأسمالية والمستعمرون الذين ألقوا بنا في الوحل، وليسوا السوفيات، وليس السوفيات هم من يساندون اسرائيل ويذلون العرب، طبعا السوفيات كفار، ولكنهم ليسوا أعداء تاريخين لنا حتى الآن على الأقل‏)‏، ولكن ماذا كان هذا المؤتمر السري‏؟‏ هل كان نواة لأممية إرهابية إسلامية‏؟‏ يجيب الدكتور رمضان‏:‏ ‏(‏أقول لكم بكل صراحة أنه في البداية لم يكن لدينا أي تحديد لسبب اجتماعنا، وحتى عندما افترقنا لم يكن الجواب قد أصبح واضحا، إن الوضع معقد جدا‏)‏، وإنه لكذلك فعلا بالنسبة للإخوان المسلمين على الأقل بعد أن صارت جماعات متطرفة تتخطاهم بمدى تعصبها، مما جعلها أشد عرضة للوقوع في فخ الأعداء‏"‏‏.‏

وتقول ‏(‏الأوبزيرفر البريطانية‏)‏ حول هذه النقطة أيضا‏:‏

‏"‏ومن الاستنتاجات الرئيسية التي توصل المؤتمر لها في مراجعته للوضع العالمي أنه على الرغم من حرب الاتحاد السوفياتي في أفغانستان، فإن الولايات المتحدة تأخذ مكان الاتحاد السوفياتي كعدو رئيسي للعالم الإسلامي‏"‏‏.‏

وتقول أيضا‏:‏

‏"‏وفي المقابل اعتبر الاتحاد السوفياتي حكيما وموثوقا، ويخدم قضية السلام، واستمع المؤتمر إلى أن السوفيات في كثير من أرجاء العالم يسعون للحوار مع المسلمين، وقد قيل إن السوفيات يودون لو يفكون ارتباطهم بالمأزق الأفغاني‏"‏ ا‏.‏هـ‏.‏

ولا نستطيع بالطبع أن نقول إن كل الذين اجتمعوا في هذا المؤتمر، وشاركوا في تلك الندوات كانوا عملاء أو أعداء للإسلام، بل حتما كان منهم أناس مخلصون يحبون الخير لأمتهم، ولكن ذلك المؤتمر السري كان أكبر من أن يعرف أبعاده الحقيقية معظم الذين شاركوا فيه، بل إن رجلا كسعيد رمضان، وهو الداعية المشهور زوج بنت الأستاذ البنا والذي يعيش في اوروبا منذ عام 1954 تقريبا لم يعرف من وراء هذا المؤتمر‏؟‏ ولماذا انعقد‏؟‏ وعلى أى شيء انفض‏؟‏ حيث يقول كما نشرت عنه الاكسبريس الفرنسية‏:‏

‏"‏أقول لكم بكل صراحة‏:‏ إنه في البداية لم يكن لدينا أي تحديد لسبب اجتماعنا، وحتى عندما افترقنا لم يكن الجواب قد أصبح واضحا‏.‏‏.‏ وإن الوضع معقد جدا، وإنه لكذلك فعلا بالنسبة للإخوان المسلمين على الأقل بعد أن صارت جماعات متطرفة تتخطاهم بمدى تعصبها، مما يجعلها أشد عرضة للوقوع في فخ الأعداء‏"‏ ا‏.‏هـ‏.‏

ولذلك أيضا لم يستطع سعيد رمضان تحديد هدف المجموعة التي قتلت السادات، حيث يقول في نفس مقال الجريدة الفرنسية‏:‏ ‏(‏في لندن التقينا بالدكتور سعيد رمضان زوج ابنة حسن البنا، وأحد المفكرين الرئيسيين للإخوان، سألناه‏:‏ ‏"‏ما رأيك يا دكتور بقتلة السادات‏؟‏ هل كانوا على حق في عمليتهم‏؟‏‏"‏ بعد تردد أجاب رمضان‏:‏ ‏"‏يجب أن تدركوا أن اسم مجموعة ‏(‏التكفير والهجرة‏)‏ ليس سوى أحد اختراعات السلطة، وهذا يدل على المدى الذي بوساطته يمكن خلق أخبار ومعلومات من لا شيء‏.‏‏.‏ لقد تصرف أولئك الشباب التعساء بهدي من إيمانهم وعواطفهم‏.‏‏.‏ ولكن من يؤكد لنا أن كل العملية لم تكن مدبرة من الأساس‏؟‏ إن الوضع معقد جدا‏"‏‏.‏ ا‏.‏هـ‏.‏

ويقول أيضا‏:‏ ‏"‏إن الوضع معقد على هذا الصعيد‏"‏، كما يقول الدكتور رمضان‏:‏ وهذا يسمح باللعب بالريح الإسلامية التي تهب على العالم الإسلامي، وحرفها في هذا الاتجاه أو ذاك، ‏"‏ففي كل عمل للحركة الإسلامية‏"‏ -يقول رمضان- ‏"‏يوجد رجال مخلصون وآخرون من المندسين‏"‏‏.‏

وحتى نعلم ما هو الشعور العام الذي انفض عنه مؤتمر لندن الآنف الذكر، نقرأ هذه الفقرة الأخيرة من مقال الجريدة البريطانية‏:‏

‏"‏ولمواجهة الأخطار اتفق المؤتمرون المسلمون عليها على سياسة زيادة الضغط على الحكومات العربية لإرغامها على تغيير نهجها، وكما قال أحد المؤتمرين في مجلس خاص‏:‏ ‏(‏يجب أن نحطم الوضع الراهن قبل أن يحطمنا‏"‏ ا‏.‏هـ‏.‏

ومرة ثانية أقول لم نشك قط في أن عددا كبيرا من الذين يحضرون هذه المؤتمرات يكونون أناسا مخلصين محبين للخير، يريدون إعزاز أمتهم ونهضتها، ولكن حتما كان هناك مندسون يريدون قطع طريق النهضة الإسلامية، وقتل هذه الصحوة في مهدها، وتحويل مسارها لتخدم في النهاية الأهداف الشيعية في المنطقة، وتستخدم فقط من أجل محاربة النفود الأمريكي، وتكون النتيجة هي أن يكون المسلمون أداة فقط يُستغلون‏.‏‏.‏ ثم يتسلم الراية غيرهم‏.‏

لقد كنا نتابع هذه الأحداث ونحن مشفقون على الشباب الإسلامي المتوجه إلى الإسلام بنفوس منشرحة وصدور ملؤها الخير والإشراق والرغبة في العمل لنهضة أمته وتوحيد صفوفها، وكنا نعلم ما يدبر لهم في الخفاء، ولذلك رفعنا أصواتنا بالتحذير من الانسياق وراء الكلمات البراقة، وطالبنا الشباب دائما بتحديد الهدف جيدا، واتخاذ الوسيلة الصالحة للوصول إلى أهدافه، وتقدير كل خطوة قبل أن يخطوها، واتباع السياسة الشرعية في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، والحذر من الانزلاق نحو الفتنة التي تستأصل جهوده وتدمر ما بناه‏.‏

وفي هذه الأثناء صدرت مجلة المجتمع بمقال رئيسي عرفت من أسلوبه أنه بقلم الأخ الدكتور عبدالله النفيسي، ثم علمت صدق ظني بعد ذلك من الأخ إسماعيل الشطي رئيس تحرير مجلة المجتمع، وبالرغم من أنني لا أتهم نية الكاتب، ولا أشك في صدقه، فهو أخ عزيز، ورجل فذ ذكي، إلا أنه كان متأثرا بالحُمى التي تغلي في شرايين طائفة من الشباب المسلم، الذي يرى ذل أمته وانهيارها، وتخاذل الحكام وقعودهم، ويرى أن الإصلاح بالطريقة التي من أجلها كتبنا هذه المقالات، ونشرنا هذا الكتاب بطيء جداً لا يوصل إلى نتيجة، وكان يريد -كما هي عادته- الحل الجذري، أو على حد تعبيره هو ‏(‏وضع السكين في قاع الجرح‏)‏ بدلا من علاجه بالمراهم والمجففات، وكان هذا المقال كما يلي بالنص‏:‏

‏"‏حصر دائرة الصراع‏:‏

الحركة الإسلامية في حالة حرب مع أعدائها الفعليين بكل ما تعنيه كلمة الحرب من قتل وتشريد وتدمير ومثلة وتعذيب وإعدام‏.‏ هذه حقيقة لا تنتطح فيها عنزان، وإذا كان الأمر كذلك‏.‏ وهو قطعاً كذلك فمن باب أولى فهم قوانين الحرب أو مبادئ الحرب بتعبير أدق، ومن أهم مبادئ الحرب‏:‏ تحديد العدو الفعلي‏؟‏ وبالتالي ضخ القوى ضده لتلافي بعثرتها وتشتيتها، ومن يدخل الحرب دون أن يحدد -بدقة- العدو والقوى الموالية والرديفة له، فإنما هو يدخل متاهة ومفازة تتبعثر فيها القوى والطاقات، ولا تتحقق منها نتيجة‏.‏ إذن لابد -لكي تكون الحرب ناجحة وتحقق أهدافها- من حصر دائرة الصراع وتوجيه كل الناس للهدف الصحيح، وبالكيفية الصحيحة‏.‏

من هو العدو الفعلي واليومي للحركة الإسلامية‏؟‏ ومن هو المعوق الفعلي واليومي لمسيرة الحركة الإسلامية‏؟‏ ومن هو هذا العدو الذي يتسلح بالأجهزة المادية والإدارية والمالية والإعلامية، والذي يتمتع بـ ‏(‏الشرعية‏)‏ الواقعية في مواجهته للإسلام كدعوة وكحركة‏؟‏ وهل هذا العدو قوة مادية ظاهرة محسوسة وملموسة‏؟‏ أم أنه قوة خفية غير ظاهرة وغير محسوسة ولا ملموسة‏؟‏ وبقدر ما كانت الأسئلة محددة وواضحة، فهكذا ينبغي أن تكون الإجابة عليها‏.‏

إن العدو الفعلي واليومي للحركة الإسلامية هو الأنظمة، وأن المعوق الفعلي واليومي لمسيرة الحركة الإسلامية هو الأنظمة، وأن العدو الفعلي الذي يتسلح بالأجهزة المادية والإدارية والمالية والإعلامية، والذي يتمتع بـ ‏(‏الشرعية‏)‏ الواقعية في مواجهته للإسلام كدعوة وكحركة هو أيضا الأنظمة‏.‏

والأنظمة قوة مادية وظاهرة محسوسة وملموسة، وليست قوة خفية غير ظاهرة ولا محسوسة أو ملموسة‏.‏ يرأس هذه الأنظمة رجال من لحم ودم وعظام، فيهم كل ضعف البشر، وخوف البشر، وارتجاف البشر، وفي طوعهم أجهزة يرأسها رجال أيضا، فيهم كل ما في أسيادهم من ضعف وخوف وانحدار وارتجاف، لا ينامون في الليل إلا تحت حراسة، ولا يأكلون الطعام إلا تحت حراسة، ولا يرتخون ويقهقهون في حضرة النساء إلا تحت حراسة‏.‏ فالأنظمة إذن قوة واضحة نراها ليل نهار، وهي العقبة الكأداء أمام مسيرة الدعوة الإسلامية‏.‏

إن معركة الحركة الإسلامية ليست هي مع الفتاة السافرة أو المتبرجة، وليست مع البرامج الهابطة في الأجهزة المرئية والمسموعة، وليست مع البنوك التي تمتص دماء الفقراء وتحقنها في كروش الأغنياء، ولست مع الحفلات الراقصة، ليست تلك هي معركة الحركة الإسلامية، ولا ينبغي أن تكون أو أن تحصر في هذه الدوائر الثانوية‏.‏ إن المعركة الفعلية للحركة الإسلامية ينبغي أن تكون مع الأنظمة التي أفرزت هذا الواقع بتلك المواصفات، سواء الاقتصادية أو الاجتماعية أو الإعلامية‏.‏ إن كل الظواهر السلبية في أي مجتمع من المجتمعات هي نتيجة طبيعية مفروزة من طبيعة النظام العام الذي يعيش في ظله المجتمع، وليست وليدة اختيارات فردية‏.‏ إن تفشي الخمور والمخدرات والزنا واللواط -مثلا- في المجتمع الأميركي ليست نتيجة للاختيار الفردي بقدر ما هي نتيجة للنظام العام الذي يسود المجتمع الأميركي، والذي تقف على سنامه السلطة السياسية الأميركية، وما تمثله فعليا من مصالح القوى الاقتصادية، الاستثمارية والتجارية في ذلك المجتمع، بتعبير آخر إن الفرد الأميركي قابل للصلاح بقدر ما يصلح النظام العام الذي يعيش في ظله، بدليل أن العرب في الجاهلية كانت فيهم كل هذه المبادل وعندما صلح النظام العام عن طريق تأسيس دولة الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة صلح حال الفرد العربي في الجزيرة، وإن الفرد العربي اليوم قابل للصلاح، وقابل للالتزام بالإسلام وبشريعته بقدر ما يصلح النظام العام السياسي الذي يعيش رهينة في ظله‏.‏

وباختصار نقول إنه إذا أرادت الحركة الإسلامية أن تحقق شيئا من خلال منهج عملها الحالي -والذي تعوزه الكثير من المراجعات- فينبغي أولا حصر دائرة الصراع وتحديد العدو والهدف‏.‏

إن بعثرة القوى الإسلامية في مواجهات جانبية من شأنها توسيع دائرة الصراع، وبالتالي تفريغ الطاقة الإسلامية في فراغ لن تتحصل منه فائدة تذكر لمجمل أهداف الدعوة‏.‏ إن العدو الفعلي والمعوق الفعلي لمسيرة الدعوة هي الأنظمة، وليست الجماهير -بكل راياتها ومسمياتها- وإن العمل الإسلامي الذي يتحرك بمعزل عن هذه الحقيقة الجارحة لن يحقق أي نتيجة على المدى البعيد‏"‏‏.‏ ا‏.‏هـ‏.‏

وبعد أن قرأت هذا المقال ، وأنا أعيش أحزان أمتي وأفراحها، وعلمت المنعطف الخطير الذي يمكن أن يؤدي إليه نشر مثل هذا المقال، وهو أن ينصرف الشباب عما سماه المقال بالدوائر الثانوية والهامشية من العمل لتوجيه دفة الاقتصاد إلى الإسلام، وتحول الفتيات والفتيان إلى الدين الصحيح والتمسك بآداب الإسلام وأحكامه، فقد جعل المقال مثل هذا دوائر ثانوية، وبين أن عدو الأمة هو الأنظمة، ويجب حصر الحرب معهم فقط‏.‏‏.‏ لقد كان المقال إعلان حرب على الأنظمة دون تحديد لماهية هذه الحرب ولا وسائلها ولا أهدافها ولا كيفيتها، ولا تعريف للمقصود بالأنظمة‏.‏‏.‏ إنها حرب وكفى‏.‏

ورأيت أن من واجبي قطع الطريق على الفتنة قبل أن تبدأ، وإنقاذ الشباب من غرور الكلمة، وخمرة الحماسة الفارغة، وإيقاف كل متكلم عند كلمته ليوضح مراده، ويصدع بما يرى أنه حق، ولا يترك الناس في البلبلة والتخمين والاضطراب، فنشرت مقالا في جريدة الوطن التي أتولى شئونها الدينية بعد ذلك المقال بثلاثة أيام فقط وكان هذا نصه‏:‏

‏"‏ماذا تريد مجلة المجتمع بالتحديد‏؟‏

في عدد الثلاثاء 13 محرم لعام 1402هـ الموافق /1981 في مقالها الرئيسي بعنوان ‏(‏حصر دائرة الصراع‏)‏ خرجت علينا مجلة المجتمع لتقول بالنص‏:‏ ‏(‏إن العدو الفعلي واليومي لمسيرة الحركة الإسلامية هو الأنظمة‏)‏، وتقول أيضا‏:‏ ‏(‏إن معركة الحركة الإسلامية ليست هي مع الفتاة السافرة أو المتبرجة، وليست مع البرامج الهابطة في الأجهزة المرئية والمسموعة، وليست مع البنوك التي تمتص دماء الفقراء وتحقنها في كروش الأغنياء، وليست مع دور السينما، وليست مع الحفلات الراقصة‏.‏‏.‏ ليست هي تلك معركة الحركة الإسلامية، ولا ينبغي أن تكون أو أن تحصر في هذه الدوائر الثانوية‏.‏‏.‏ إن المعركة الفعلية للحركة الإسلامية ينبغي أن تكون مع الأنظمة التي أفرزت هذا الواقع‏)‏، ثم تقول أيضا في نهاية المقال‏:‏ ‏(‏باختصار نقول إنه إذا أرادت الحركة الإسلامية أن تحقق شيئا من خلال منهج عملها الحالي، والذي تعوزه الكثير من المراجعات، فينبغي أولا حصر دائرة الصراع، وتحديد العدو والأهداف‏.‏

ونحن إزاء هذه الدعوة السافرة إلى الفتنة وتضليل الشباب المسلم والزج به فيما يريد أعداء الأمة من تدمير نفسه وأمته ووطنه الإسلامي، نريد أن نطرح بعض الأسئلة على مجلة المجتمع التي تتبنى اليوم الدعوة إلى الفتنة بكل أبعادها، علها ترشدنا إلى مخططها الجديد‏.‏

أولا‏:‏ ماذا تعنون بالنظام‏؟‏

ماذا تعني مجلة المجتمع بكلمة الأنظمة‏؟‏ هل تعني بها الحكومات العربية الحالية‏؟‏ وهل تشمل دعوتها تدمير هذه الأنظمة وحربها كل الأنظمة العربية‏؟‏ أم بعضها دون بعضها‏؟‏‏.‏

وإذا كان المراد بالأنظمة هو الحكومات‏؟‏ فهل رئيس الدولة فقط هو الحكومة‏؟‏ أم الحكومة والوزراء‏؟‏ وما رأيهم في وكلاء الوزراء أيضا‏؟‏ هل هؤلاء من النظام أم خارجون عنه‏؟‏ وما رأيهم بأعضاء المجالس النيابية‏؟‏ هل هم جزء من النظام أم لا‏؟‏ وما القاعدة في تحديد العدو وغير العدو‏؟‏‏.‏

وما رأي مجلة المجتمع في أفراد الجيوش العربية، وقوات الشرطة التي تحفظ الأنظمة وتحافظ على الأمن، هل هم داخلون في حكم الأنظمة أم لا‏؟‏ وهل إذا كانوا من الأنظمة فدمهم مهدور أيضا‏؟‏ وهل تستطيع ‏(‏المجتمع‏)‏ أن تفتينا في حكم الإسلام في دخول الجيش والشرطة‏؟‏ والعمل في الوزارات والمجالس النيابية‏.‏‏.‏ هل هذه الأعمال جائزة أم محرمة‏؟‏‏.‏

ثانيا‏:‏ ماذا تعنون تماما بكلمة حرب‏؟‏

تقول مجلة المجتمع‏:‏ ‏(‏لابد لكي تكون الحرب ناجحة وتحقق أهدافها من حصر دائرة الصراع وتوجيه كل الناس للهدف الصحيح، وبالكيفية الصحيحة‏)‏، ونحن نسأل الآن عن هذه الحرب الناجحة‏!‏‏!‏ ماذا تعنون تماما بكلمة حرب‏؟‏ هل تعنون الاغتيالات السياسية‏؟‏ أم تعنون الثورة المسلحة‏؟‏ ومن الذي سيقود هذه الحرب‏؟‏ وما هي الكيفية الصحيحة التي تدعون إليها‏؟‏ وماذا تعنون بدعوة كل الناس إلى هذه الحرب‏؟‏ أي ناس هؤلاء‏؟‏ وكيف ستدعون‏؟‏ الناس أعن طريق مجلة المجتمع التي تتبع هيئة رسمية هي إحدى مؤسسات النظام‏؟‏‏!‏‏.‏

هذه بعض الأسئلة التي نوجهها -مخلصين- إلى القائمين على مجلة المجتمع ليعرفوا أولا بماذا ينطقون‏؟‏ وإلى أي شيء يدعون الناس‏.‏‏.‏ وإذا كانت المجتمع قد أفلست من دعوة الشباب إلى الهداية والاستقامة، ودعوة الحكام إلى الاستقامة على أمر الله وتحكيم شريعته، ودعوة الشعوب إلى الدخول في الإسلام أقول إذا كانت مجلة المجتمع قد أفلست من ذلك فلتتق الله في الشباب الذي قد يفتر وينزلق إلى تدمير أمته ونفسه بهذا المسلك الخاطئ‏.‏

باختصار ‏(‏المجتمع‏)‏ لا ترى جدوى من تحويل الفتاة السافرة إلى فتاة متحجبة عن طريق الإقناع ودعوة الخير، ولا ترى جدوى من إقامة بنوك إسلامية لتحل محل البنوك الربوية، ولا ترى جدوى من مزاحمة البرامج التافهة ببرامج هادفة في وسائل الإعلام، ولا ترى جدوى من كل هذا البناء للأمة بطريق الدعوى وشق طريق الخير والصبر على الأذى وتحمل الصعاب، وتنادي في الناس أن اتركوا كل ذلك، واحصروا دائرة الصراع في حرب الأنظمة‏!‏‏!‏‏.‏

للأسف أن يكون كل هذا التضليل باسم الإسلام، وأن ينسب كل هذا العبث إلى هدي الرسول الكريم وحكمته‏.‏‏.‏‏"‏‏.‏أ‏.‏هـ‏.‏

لقد جاء المقال -بحمد الله- في وقته تماما، فقد ساعد الشباب المسلم على الإفاقة السريعة، ووضع أيديهم رأسا على الخلل، واستطاعوا بعد ذلك تحديد الهدف والاتجاه بعد أن كادت تضل بهم الطرق‏.‏‏.‏ وأعتقد أننا وصلنا بحمد الله من خلال مقالي ذلك إلى صحوة عامة، وتعريف بالأخطاء التي يمكن أن تقع فيها الدعوات، وأشعر وأنا أكتب هذه السطور بعد عامين تماما من هذا المقال، أنه كان نقطة فاصلة في توجيه مسار الدعوة في الكويت، وإن كنت تعرضت خلال هذين العامين لصنوف الأذى والسباب والشتائم والاتهام بالعمالة للسلطات والخيانة للإسلام، والله المستعان‏.‏‏.‏ وعنده يلتقي الفرقاء والخصماء‏.‏

المهم أن الساحة الكويتية حماها الله، وبقيت مكانا آمنا تسير في الدعوة الإسلامية سيرها الطبيعي الطيب، ويقوى عودها مع الأيام‏.‏‏.‏ولم يستطع الذين دافعوا عن ‏(‏مقال حصر دائرة الصراع‏)‏ إلا أن يقولوا إن المقال لا يعني الكويت، وإنما يعني الأنظمة القمعية التي تحارب الدعوة كسوريا، وبالطبع كان هذا اعتذارا غير صحيح، لأنه في ظل تلك الأنظمة التي تحارب شباب الدعوة لا يهتم الشباب هناك بإقامة بنوك إسلامية، ولا بمحاربة السافرات، وبرامج التلفزيون، وإنما هم يلاحقون الحكام كما يلاحقهم الحكام‏.‏‏.‏ والمقال لم يكن أصلا موجها لأولئك ولو كان موجها لهم لكان من باب تحصيل الحاصل، فضلا عن أن مجلة المجتمع لا تصل إلى سوريا حتى يكون المقال موجها للشباب هناك، وعلى كل حال فبالرغم من أننا لا نتهم نية الكاتب، إلا أننا نحاول دائما أن نفرق بين الخطأ والصواب‏.‏‏.‏ لقد كان المقال خطأ بكل أبعاد كلمة خطأ، وكان الصواب بحمد الله ما قررناه، ونحمد الله سبحانه وتعالى أن كان لنا شرف التوجيه والإرشاد والترشيد والفضل لله وحده‏.‏‏.‏ ويغفر الله لكل من أساء إلينا‏.‏‏.‏ وسامح الله الجميع وعفا عنا وعنهم‏.‏